النويري
137
نهاية الأرب في فنون الأدب
من نفسك يتلعّب بك غلمان بنى أمية ، وإن كنت إنما أردت الدنيا فبئس العبد أنت ، أهلكت نفسك ومن قتل معك ، وإن قلت : كنت على حقّ فلما وهن أصحابي ضعفت ، فهذا ليس فعل الأحرار ولا أهل الدين ، كم خلودك في الدنيا ؟ القتل أحسن ! فقال : يا أماه ، أخاف إن قتلني أهل الشام أن يمثّلوا بي ويصلبونى . فقالت : يا بنى ، إن الشاة لا تألم السلخ بعد الذّبح ، فامض على بصيرتك ، واستعن باللَّه . فقبّل رأسها وقال : هذا رأيي ، والذي خرجت به داعيا « 1 » إلى يومى هذا . ما ركنت إلى الدنيا ، ولا أحببت الحياة فيها ، وما دعاني إلى الخروج إلَّا الغضب للَّه ، وأن تستحلّ حرماته ؛ ولكني أحببت أن أعلم رأيك ، فقد زدتنى بصيرة ، فانظري فإني مقتول في يومى هذا ، فلا يشتدّ حزنك ، وسلَّمى لأمر اللَّه ، فإنّ ابنك لم يتعمّد إتيان منكر ! ولا عملا بفاحشة ، ولم يجر في حكم اللَّه ، ولم يغدر في أمان ، ولم يتعمّد ظلم مسلم أو معاهد ، ولم يبلغني ظلم عن عمّالى ، فرضيت به ؛ بل أنكرته ، ولم يكن ىء آثر عندي من رضاء ربى . اللهم إني لا أقول هذا تزكية لنفسي ، ولكن أقوله تعزية لأمى حتى تسلو عنى . فقالت : إني لأرجو أن يكون عزابى فيك جميلا ، إن تقدّمتنى احتسبتك ، وإن ظفرت سررت بظفرك . اخرج [ عنى . « 2 » ] حتى أنظر إلى ما يصير أمرك ، فقال : جزاك اللَّه خيرا ؛ فلا تدعى الدعاء لي . قالت : لا أدعه لك أبدا ، فمن قتل على باطل فقد قتلت على حقّ .
--> « 1 » في الكامل : دائبا . « 2 » في د وحدها .